ديانا جافريلوفا
استخدم الطب القديم مادة البنسلين قبل اكتشاف فلمنج لها بخمسين ألف عام..
في عام 1928 اكتشف العالم الاسكتلندي الشهير فلمنج عقار البنسلين، ولكن استخدام الإنسان للمضادات الحيوية في علاج العدوى الالتهابية. كان قد بدأ قبل هذا التاريخ بوقتٍ طويل.
في أواخر القرن التاسع عشر لاحظ الطبيب الفرنسي إرنست دوشين كيف يعالج الصبيان العرب قرحات الجلد بالعفن المتشكل على الفطور. أخذ دوشين عينة من الفطور، واستطاع تمييز مادة البنسلين فيها واستخدم هذه المادة في علاج خنازير غينيا المصابة بحمى التيفوئيد. وقبل ذلك كان الباحثون قد عثروا على نصوصٍ تعود إلى أزمنة الحضارات القديمة (كالرومانية والمصرية والصينية) تطرح نقاشاً حول فوائد الخبز المتعفن في علاج الجلد المريض.
وقبل ظهور الكتابة والتدوين في تاريخ البشرية، ثمة ما يشير إلى أن أسلافنا القدماء من بني البشر قد استعانوا في علاج أمراضهم بالفطور والنباتات والمواد الطبيعية الأخرى منذ ملايين السنين، وذلك قبل أن يدرس علماء العصر الحديث هذه المواد الدوائية ويكتشفوا التركيبة الكيميائية الدقيقة لها.
الطبابة في العصر الحجري:
إضافةً إلى التكهّن بأن الإنسان القديم كان يعالج نفسه بنفسه دون وسيطٍ (كما الطبيب في وقتنا الحاضر) كما يعالج حيوان الغابة نفسه في أيامنا هذه، فقد عثر الباحثون على أدويةٍ طبيعية محفوظة في مختلف المواقع الأثرية. وعلى رغم أنه لا يمكن التأكّد من أن هذه الأدوية كانت تستخدم بالذات في المجال الصحيّ أو بالتحديد لعلاج الأمراض، إلّا أن تواجدها الوفير فيما عُثر عليه من الحفريات والتحف الفنية يؤكد دورها الكبير في حياة الأسلاف.
درس العلماء أنواع النبات التي عثروا عليها في سبعة مواقع أثرية في الشرق الأوسط تعود إلى ما بين ثمانية آلاف و790 ألف سنة مضت وكانت هذه المواقع مأهولةً من قبل الإنسان القديم في مختلف مراحل تطوره من الإنسان البدائي إلى الإنسان المتطور (العاقل). تم تحديد 212 نوعاً من النباتات في تلك المواقع. تبيّن بعد دراستها أن 60% منها تصلح للأكل وللعلاج، ويمكن استخدامها حقاً في الغذاء أو الدواء أو في كليهما. وكان 15% منها فقط غير صالحة للأكل إنما يمكن للجرعات الصغيرة منها أن تعطي فوائد علاجية.
في أعمال سابقة درس العلماء جزيئاتٍ متحجرةً في أسنان الإنسان البدائي قبل خمسين ألف عام، كان من بينها عيّنةٌ تعود لامرأةٍ لديها خرّاج في سنّها. استطاع فريق البحث تمييز الخليط المستخدم في علاج هذا الخراج، والمؤلف على الأغلب من نبات "البابونج" ونبات "ذات الألف ورقة"، وتشتهر كلتا العشبتين بارتفاع فوائدهما الطبية وانخفاض قيمتهما الغذائية.
وفي وقت لاحق درس علماء الوراثة الحمض النووي DNA في بقايا ذلك الإنسان البدائي نفسه، واكتشفوا أنه يحتوي على حمض الساليسيليك، هذا الحمض الموجودة في شجر الحور. وهذا يعني أحد احتمالين: إما أن يكون هذا الحمض قد دخل بالصدفة إلى فم ذلك الإنسان أو أنه (أي الإنسان) كان يعاني من التهاب في فمه وعالج هذا الالتهاب بأوراق الحور المسكنة للألم وبالبابونج المهدئ وبالفطر كمضاد للالتهاب!
وإذا كان الأمر كذلك؛ فهذا يعني أنّ الطب القديم قد اكتشف البنسلين قبل خمسين ألف عام، ومن حقه أن يتقاسم جائزة نوبل للطب، التي فاز بها فلمنج وحده في القرن العشرين!