موسكو العاصمة
كم مرّةً في الاتحاد السوفييتي حاولوا تغيير اسمها؟! 
منذ وصول البلاشفة إلى السلطة وطوال حقبة الاتحاد السوفييتي، كانت هناك على الأقل ثلاث محاولاتٍ جديّةٍ لتغيير اسم موسكو! وفي حين أنّ تغيير اسم المدينة الكبرى "بتروغراد أو سانت بطرسبورغ" إلى "لينينغراد" قد جرى بمنتهى السلاسة، إلا أنّ الأمر لم يحسم بشأن تغيير اسم موسكو: هل سوف تنال العاصمة اسماً جديداً على شرف أمجاد لينين أم عرفاناً لأمجاد ستالين؟!
عقب وصول البلاشفة إلى سدّة الحكم، طافت في البلاد موجةُ تغيير أسماء المدن في سعيٍ حثيثٍ لمحو حقبة القياصرة من ذاكرتها: تحوّل اسم مدينة تساريتسين إلى ستالينغراد (التي أصبح اسمها اليوم فولغوغراد)، يكاترينادار أصبحت: كراسنادار، يكاتيرينابورغ صار اسمها: سفيردلوفسك. 
وحين في عام 1924 استُبدِل اسم مدينة بتروغراد إلى لينينغراد، ظهرت فكرة إعطاء موسكو اسماً جديداً يحمل روح المرحلة الحاضرة.
لكنّ فكرة تغيير اسم موسكو بدتْ أمراً لا يخلو من التعقيد؛ فهذا الاسم (موسكو) لا يحمل في معناه أي استفزازٍ أيديولوجي لأحد، كانت هكذا كما هي: راسخةٌ ومتحديّة بهذا الاسم "المستقل" وغير الموحي بالتبعية لعهدٍ أو لشخصٍ ما! من هنا ظلّت فكرة تغييره تستفيق من آنٍ لآن في حقبة الاتحاد السوفييتيّ، وكان من بينها ثلاث محاولات جديّة حقاً!
اجتمع المسؤولون السوفييت عام 1927 للتوقيع على عريضةٍ إلى ستالين يقترحون فيها إطلاق اسم "إيليتش" على مدينة موسكو، لكنّ ستالين لم يكن ليغفل عن أنّ هذا الاسم هو جزء من اسم لينين (كان اسم لينين الكامل: فلاديمير إيليتش لينين)، وفي رأيه الشخصيّ أن تسمية المدينتين الرئيسيتين في الاتحاد السوفييتي معاً باسم لينين يبدو تكريماً مبالغاً فيه للينين بل فائضاً عن حدّه.  

عام 1938 أشرف "إيجوف" رئيس المجلس العلمي للشؤون الداخلية على تسيير عريضةٍ تقدّم بها "العمال السوفييت" إلى قياداتهم العليا لتغيير اسم موسكو إلى (ستالينودار)، وكان النواب السوفييت قد طرحوا الفكرة نفسها قبل عام من ذلك أي  في 1937، وما كان من "إيجوف" إلا أن اختطف الفكرة من رجال القيادة وعدّل صياغتها على أنها مطلب "الكادحين"، وكان السبب الحقيقي لهذا التعديل هو شعور إيجوف أنه لم تعد له عند ستالين تلك المكانة التي كان يحظى بها من قبل، فحاول بكل قوته وبجميع السبل الممكنة أن يستعيد موقعه. كان تصرّفه هذا تزلّفاً حقيقياً، أقرب إلى التذلل إلى ستالين الذي بدا منيعاً بشدةٍ على قبول هكذا التماسٍ، أو سواه، من إيجوف، فواجه طلبه هذا بالرفض!
بعد وفاة ستالين، اجتاحت البلاد بأكملها موجة أفكارٍ عديدة، تهدف بمجموعها إلى تخليد صورة ستالين القائد وتجريب مختلف التسميات لاستدامة ذكراه: اقتُرِح مثلاً تغيير اسم (اتحاد الجمهوريات السوفييتية الاشتراكية) إلى (اتحاد الجمهوريات السوفييتية الاشتراكية الستالينيّة)، أو قد يختصرون هذا الاسم الطويل باستبدال كلمة (الاشتراكية) من التسمية بكلمة (الستالينية)، أي ليصبح اسم البلاد: (اتحاد الجمهوريات السوفييتية الستالينية)!. 
ودخلت في هذه الموجة محاولة جديدة لتغيير اسم موسكو بإيجاز تامٍّ هذه المرة: أن يصبح اسمها ببساطة: (ستالين) فقط. 
وانحسرت الموجة بحظر هذه المحاولات جميعها؛ فقد كانت البلاد بأكملها قد بدأت تدخل في مدارٍ آخر يسير بها إلى الانحلال والذوبان..