إنها رواية الكفاح في سبيل العيش والترقي الاجتماعي، وسيرة أناس صعدوا بجدّهم وكدّهم من صفوف الفقراء إلى مصاف الطبقة الوسطى، وحكايات أفراد طوّحتهم الأيام في مهاوي الحياة القاسية
"خيط البندول" للروائية السورية نجاة عبد الصمد (بيروت: دار نوفل، 2023) عمل روائي قلما نعثر بين الروايات السورية الجديدة على ما يقاربه أو يدانيه أو يشبهه. إنها رواية متفردة إلى حد بعيد؛ رواية عن الحياة ببهائها الآسر، وبأوجاعها المرة منذ شهقة البدايات حتى وجوم النهايات وعبث الأقدار وتراجيديا الوجود. إنها رواية الكفاح في سبيل العيش والترقي الاجتماعي، وسيرة أناس صعدوا بجدّهم وكدّهم من صفوف الفقراء إلى مصاف الطبقة الوسطى، وحكايات أفراد طوّحتهم الأيام في مهاوي الحياة القاسية: أسامة إبن الموظف الفقير يصبح طبيبًا بعدما خضع لأوامر والدته ونواهيها: "أدرسْ وصِرْ طبيبًا لتأكل اللحم بدلًا من البرغل" (ص 22) ، "أدرسْ وصِرْ طبيبًا لتشتري بسكليت" (ص24). يقول أسامة: "ما كان عندي بسكليت ولا ثياب سوى ما يصغر منها على أولاد خالي أو ما تشتريه أمي من البالة. وحلمتُ بتلفزيون ملوّن في بيتنا، وبطعام فيه الكثير من اللحم، وبيت فخم الأثاث كبيت خالي" (ص 24)، و"كنتُ أرصد الأرض وأنا أمشي في شوارع العاصمة، فقد أعثر على قطعة نقدية صغيرة أو كبيرة وقعتْ خطأ من جيب شخص ما، أدفع بها أجرة الطريق في رحلتي من وإلى العاصمة" (ص 27). وأسامة على غرار شخصيات الرواية جميعهم تقريبًا، يتدثرون بحياة يومية شاقة: يبكون، يتألمون، يكرهون، يفرحون، يهاجرون، يموتون في بلادهم وفي الغربة، تحبل نساؤهم، ويأتون إلى هذا العالم بأطفال يعيدون سيرة الكائن البشري. وفي معمعان هذه الدورة تبدو المتعة في تلك الحياة الواجمة قليلة، لكن الأحلام كثيرة. إنهم ينتظرون اللذات ولا يكرعونها، ولا يمتلئون حتى من المتع البسيطة التي درجوا عليها وأَنسوا لها.
"خيط البندول" رواية واقعية جدًا، فلا تمجيد للفقراء على عادة روايات اليسار القديم، والناس ليسوا أنقياء بالضرورة، بل هم حقيقيون في ضعفهم وفي تجبرهم، في مبادئهم وفي انتهازيتهم، في شجاعتهم الكاذبة أحيانًا وفي خوفهم مما قد يصيبهم. إنهم أناس عاديون، لا أبطال ولا ثوار ولا بشر خارقين أو متبجحين. ونعثر، في ثنايا هذه الرواية، على تاريخ آخر للمهمشين، كأننا نقرأ دراسة عن سوسيولوجيا المجتمع السوري، أو عن سيكولوجيا فئة من السوريين عاشت في مجتمع منغلق على أحواله وتقاليده حيث لا غرباء فيه (شكران وأمها هما الوحيدتان الغريبتان). والمهمشون في هذه الرواية البديعة نساء تاعسات في زواجهن، وبائسات في أمومتهن، وهاذيات حين يفقدن أبناءهن، ومُنَغّصات حين لا أمومة، ومجنونات في بعض الأحيان (عذبة المجنونة شقيقة جدعة المتفانية). و "خيط البندول" رواية تجرأت على عالم خاص هو عالم المستشفيات والتحاليل والمختبرات والأدوية، وروائح المطهرات والمحاليل المعقّمة، علاوة على المرضى وأسرارهم، والأطباء ومهنة الطب ونُبلها وقسوتها وملامحها الخادعة أحيانًا، وعدم مبالاة بعض الأطباء بحياة البشر. ورحيق هذه الرواية هو حكاية الكفاح من أجل الحياة. أما عطرها فهو جنون المهندسة نداء في سعيها إلى طفل واحد فقط بعدما تخلت عن حلمها بثلاثة أطفال.
عشرون محاولة للإخصاب ولم تثمر محاولات المهندسة نداء زوجة أسامة أي نتيجة. حلمت نداء بثلاثة أطفال: زاهر وأماني وجود (ص 17)، فلم تَجُدْ عليها الحياة بأمانيها الزاهرة بعدما فقدت مبيضها وقناتها الرحمية اليمنى وزائدتها الدودية (ص 12)، فتحققت نبوءة "خيط البندول". وخيط البندول (مثل رقاص الساعة) تربطه الفتيات بمسمار، ويدلّينه عموديًا فوق معصم أحد الأشخاص، فإن ناسَ البندول يكون ثمة أمر، وإن وقف من دون حركة أو بحركة ضعيفة، يكون ثمة أمر آخر. إنها لعبة تشبه ألعاب قراءة المستقبل الهذيانية. غير أن نجاة عبد الصمد التي استغرقت في قراءة ماضي الناس وحاضرهم وأحوالهم وحولياتهم إنما كانت تقرأ، في الوقت نفسه، مصائرهم الآتية.
الأقنعة والأخلاق المستترة
الحياة اليومية في رواية "خيط البندول" دراما حقيقية، وجروحها لا تندمل البتة، والعيش الإنساني في ذلك المكان تراجيديا تتجدد كدوران المواسم الزراعية. وهذه الرواية هي حقًا رواية الأحلام المتكسرة، وأستعير هنا عبارة "الأجنحة المتكسرة" من جبران خليل جبران. إنها رواية ملتاعة بالموت الذي يغمر حياة شخصياتها، وباليتم الذي يجلل مساراتهم الطاحنة على غرار موت مجيد، الضابط الطيار، والد نداء، ومثل موت والد أسامة، وموت فريدة بالسرطان، وموت عذبة المجنونة. تلك هي تواشيح الأقدار الظالمة في مصائر النساء المظلومات. وإذا كانت القاعدة الأخلاقية للعيش في بيئة الرواية تقوم على الاستتار والإخفاء، إلا أن نجاة عبد الصمد أزالت بمهارة تلك الأقنعة، وأطاحت زيفها. ففي مجتمع متحفز للقتل عند أول شبهة في مسألة الشرف، ثمة فتيات يحملن من غير زواج، وتتستر عليهن قهرمانات العائلات، فيطمرن "الفضيحة" بطمر المواليد. ففي كل موسم من مواسم الحصاد، أو مواسم العرائش، كانت قهرمانات إحدى القرى يحصين ما لا يقل عن أربع فتيات حوامل. والمجتمع نفسه يحمي أفراد المجتمع باختراع مخارج من تلك الفضائح المذلّة على طريقة أولاد الختلة في عُمان أو الوِلْد الراقد في ليبيا. ففي عُمان يسافر الزوج إلى الهند، وتمر السنون ولا أحد يعرف عنه شيئًا. ربما مات في البحر أو في البر أو في السجن. وتحمل امرأته التي خلّفها في دياره بعد سنوات على رحيله. وهنا يصبح القتل قصاصًا لـِ "الزانية". لكن العقلاء لا بد أن يخترعوا حيلة لحماية الجماعة من عسف الحدود الظالمة التي ستتكرر مئات المرات، فقالوا إن الزوج أحبل زوجته قبل سفره، لكن الجنين ما برح يخاتل ويأبى النزول إلى أن حط رحاله أخيرًا ولو بعد سنوات، وهؤلاء هم "أولاد الختلة". وفي ليبيا يقولون عن الجنين الذي حبلت به امرأة بعد أن كانت رمال الصحراء قد ابتلعت زوجها قبل سنين إنه "وِلْدْ راقد"، أي أنه ظل راقدًا ما حلا له حتى قرر النزول أخيرًا. وهذا كله تلخيص لدفاع المجتمع عن نفسه في وجه أخلاقيات قاسية ارتضاها المجتمع نفسُه لنفسه. أما في مجتمع الرواية الذي أفاضت نجاة عبد الصمد في وصفه وكشفه فلا دفاع عن الشرف غير القتل أو الإخفاء السري على طريقة مواليد ما بعد موسم الحصاد، أو على غرار فتيات يحملن خارج الزواج، ويلدن في العيادات، ثم يحتلن على إخفاء ما جادت به أرحامهن. ومن هنا يبدأ معمعان التراجيديا في حياتهن العسيرة. وفي هذا الميدان يقول الدكتور مختار أستاذ أسامة: "لو سُرقت سجلات المريضات من عياداتنا، أو لو مرّت عليها ريح كسحتها من رفوفها وطيّرتها وخزّقت أوراقها وانتثرت ورأتها العيون، وفككت رموزًا كتبنا بها أسماء مريضاتنا وأسرارهن، لتحطمت قلوب وتقوضت أُسر، وقد تندلع بسببها حرب أهلية" (ص 8).
المكان والناس
بعثرت نجاة عبد الصمد ملامح المكان قصدًا كي تتحرك حيوات الناس في مكان كأنه لا مكان. مدينة زعفران (مدينة البازلت الأسود لا الزعفران البنفسجي)، وقرية المغمورة (بلا اسم أو ملامح مثل أي قرية نائية أخرى) والأرجنتين (ربما فنزويلا)، وجنوب أفريقيا (ربما ساحل العاج أو نيجيريا). ومع ذلك، فالمكان المبعثر في الرواية جلي تمامًا، وهو نفسه المكان الذي تجري فيه وقائع روايتها "لا ماء يرويها" (2018) الفائزة بجائزة كتارا للرواية العربية. أما الأشخاص فهم واقعيون وحقيقيون جدًا، جاءوا إلى هذه الدنيا باكين والجميع من حولهم يتهلل فرحًا، وتعلموا بالتدريج أن يتطلعوا إلى أيامهم المقبلة بالبِشر. لكنهم، على هذه الدروب، تساقطوا قتلى وصرعى ومنتحرين ومغتربين ومهاجرين.
بلاد مثل حجارتها صماء قاسية، والعيش فيها مثل طحن صخور البازلت أو الصوّان؛ صعب وقلما يُفلح الناس في تليين حجرها الغشيم. غير أن المكان الروائي ليس مجرد بقعة ذات أبعاد تجري الحوادث فيها، بل هو مجموعة أبعاد مرئية وغير مرئية متفاعلة كالشبكات، متداخلة الأسلاك والمسالك من خلال الناس وحركتهم وصراعاتهم وأهوائهم وتنافرهم وتناقضهم ومصالحهم المتخالفة وتطلعاتهم المتضاربة.
تبدأ وقائع الرواية في سنة 1993 وتنتهي في سنة 2007. وتلك الحقبة هي الشوط الأخطر في المسار السوري المعاصر الذي ظهرت فيه الفئات المركنتلية الجديدة جراء السياسات الليبرالية الاقتصادية الكسيحة. وفي خضم تلك الليبرالية ليس من المستغرب أن يمتلك أدهم الذي تربى في ما يشبه الميتم منزلًا بطبقتين. وهو مثال لريفيين استطاعوا أن يخرقوا حواجز الطبقات القديمة، وأن يصيبوا بعض الثراء المريب. فقد تنازع والداه، وسافرت أمه إلى بيروت هربًا من والده، فنشأ بلا أم ولا أب تقريبًا، وتربى عند جدعة شقيقة عذبة المجنونة التي كرست نفسها لتربية أبناء أختها العشرة (ثلاث منهم مجنونات). وأدهم هذا تدبرت له أمه يسرى شهادة مزورة من لبنان تمكن بواسطتها من دراسة الطب في موسكو ليعود إلى سورية طبيبًا. وإلى منزله المؤلف من طبقتين دعا بعض أصدقائه، وكانت سهرة عامرة تصفها الرواية على النحو التالي: أمامنا كؤوس وأطباق الكريستال التشيكي (...). يسكب أدهم لي في صحن من الخزف ثلاثة أنواع من السَلَطات الروسية. وعلى المائدة دجاج مدقوق وملفوف بحشوة الكستناء والجوز، ثم شرائح لحم متبل بالنبيذ والفلفل، وويسكي جوني ووكر المهرّب. ثم لم يطل الوقت حتى توزّع الحاضرون إلى مجموعات ليلعبوا ورق الشدّة (ص 82). حفلة وطعام وشراب ولعبة تريكس؟ ذلك هو الطراز الأمثل لأذواق ريفيين تحصّلوا على دخل مرتفع قياسًا على ما كانوا عليه، مع أن جوني ووكر ليس مشروبًا باذخًا بل هو مشروب شعبي رخيص. وقد خشيتُ أن تستغرق نجاة عبد الصمد في وصف المائدة فتضيف إليها كبد البط والكافيار والسومون، لكنها كانت نابهة، وعلى غرار أدهم أسامة الطيب الفقير الذي أحصت وردة في خزانته عندما عملت في منزله بعد أن صار طبيبًا ستة وعشرين بنطلونًا وأربعة وثلاثين قميصًا وأربع عشرة قنينة عطر وثلاثين ربطة عنق (ص161). نعم، هكذا كانت سورية في تلك الحقبة الكارثية التي صارت فيها دمشق وضواحيها فضاء لالتقاء المهجرين قسرًا من أماكنهم الأولى: من فلسطين والجولان ولبنان والعراق، والمهاجرين من الأرياف المفقرة، والباحثين عن أي عمل ولو في أجهزة الشرطة.
في هذا المكان الذي يعج بالزحام عاشت حيوات شتى، وجماعات يلهث أبناؤها وراء لقمة العيش، أو خلف اقتناص الثروات، أو نحو الشهادة العلمية، والجميع ينتظر من أيامه المقبلة أن تبدل أحواله من حال إلى حال. كاميليا في كلية الفنون الجميلة تحب السهر والتدخين وكرع البيرة حتى الفجر في حانات الشام العتيقة. مريومة ابنة أحد شهداء فلسطين التي لم تلبث أن هاجرت إلى الأردن. طارق الذي عاش في مدرسة أبناء الشهداء بعد وفاة والده وزواج والدته قسرًا من عمه فؤاد. زريفة التي هجرها ابنها فريد إلى حيث لا تعلم بعد أن اكتشف أن أباه ليس أبوه، وأن أمه ليست أمه، وأن فريدة ليست أخته فعشقها بجنون. شيرين أخت الطبيب أسامة التي حملت في أحد مستشفيات إيران بطريقة الرحم البديل، وخدعت أفراد عائلتها ومعارفها وأوهمتهم أنها حامل، وجعلت السيليكون قناعًا لبطنها بحيث يكبر بحسب شهور الحمل. وردة التي خطف والدها فتاة شقراء جميلة وطلق والدتها وهاجر إلى الأرجنتين. أما هي التي تستحق قصتها أن تكون رواية مستقلة، فقد صار لها أخوة في الأرجنتين من زوجة والدها الشقراء، وصار لها أخوة من والدتها التي عادت فتزوجت مجددًا. وردة، إذًا، بات لها أخوة في الأرجنتين لا تعرفهم، وأخوة من أمها في سورية لا تحبهم، ولها أب لا تراه، وأم قلما تراها. ووردة هذه خطفها نمر الأزعر البلطجي الذي لم يلبث أن اعتُقل بتهمة إدمان الكوكايين والاتجار به. لكنها أحبته وتزوجته وحملت منه بعد أن عاشرته ثلاثة أيام فقط، وأنجبت له طفلًا، ثم مات في السجن. وأم نمر كانت لا تتورع عن تهديد كنتها وردة بجعل ابنة أختها تتنكر بثياب رجل وتندس في فراشها ثم تستدعي مَن يشهد أنه رأى رجلًا في فراشها؛ إنها أخلاق القهرمانات. وتدور الحياة بهنائها وبؤسها بين هذه الشخصيات الحالمة والبائسة والمتزاحمة معًا.
هكذا تكون الرواية
لغة الرواية فائرة وحزينة ومتوترة ومتراقصة وشفيفة ورشيقة وأنيقة في الوقت نفسه. ومع ذلك فهي رواية ملوّنة وليست كالحة. ويكاد الواحد منا يحس بالألم إحساسًا حقيقيًا، ويشم روائح الأرض والمنازل المتربة والثياب المخزّقة. والسرد في هذه الرواية متسارع لاهث متناغم. وتحتفي الرواية بجميع التفصيلات كأنها تشتغل على لوحة منمنمات كالكحل والميل والعيون المتلألئة والصداقات التي تنتهي بعد الشهادة الثانوية، والعلاقات التي تنعقد في الجامعة ثم تندثر بعد التخرج. ويتسع المكان ليشمل الحياة اليومية في جامعة دمشق والتنافس بين الكليات الأدبية والكليات العلمية؛ بين الآداب والحقوق من جهة، والهندسة والطب والصيدلة من جهة أخرى، علاوة على حكايات الأقارب وخلافاتهم، وزواج الأبناء وطلاقهم، والصراع على وراثة الأراضي، والنكايات المشتعلة بين عائلات الأرياف. وبطبيعة الحال ليس من مهمة الرواية أن تقص علينا الحوادث الكبرى، بل أن تجعل من الحوادث الطبيعية، الصغيرة والمعتادة، عناصر مثيرة للعاطفة والتأمل معًا، وهذا ما فعلته هذه الرواية. واستطرادًا، يمكن القول إن الرواية، بالمعنى الإبداعي، هي رصد عميق لتحولات الحياة وصيرورتها، ولمصائر الناس وخيباتهم وآمالهم المجهضة. وهي، فوق ذلك، مغامرة إبداعية تتضمن الغوص في دهاليز النفس البشرية واستخلاص خفاياها، ثم التأمل في لواعجها، ولا سيما مشاعر الحب والكراهية، والألم والجنس والموت وعبء الوجود. والرواية، في نهاية المطاف، ليست مرصودة للتسلية وتزجية الوقت أو استجلاب النعاس قبيل النوم، بل للتأمل الواعي في الوجود وفي المصائر الإنسانية المتعاكسة والمتشابكة. وعلى هذا المنوال أجلست نجاة عبد الصمد جميع شخصياتها على كرسي التحليل النفسي، وتمكنت ببراعة لافتة من اكتشاف أعماق شخصياتها الروائية وكشف خفاياها الغائرة؛ فمن كان مرتديًا القناع أزاحت القناع عن وجهه، ومَن كان بلا قناع تسللت إلى عوالمه الخفية بدراية المحلل الفرويدي، وتمكنت من التقاط ما هو غائر في النفوس المختبئة خلف غلالات الحياة، ووضعت ذلك كله أمامنا على صفحات بيض. وبهذه الدراية أتقنت "البحبشة" في الزوايا المتوارية للنفس البشرية، وراحت "تُفلّي" أعماق الفرد في انكساراته وجروحه وتقلباته وتناقضاته. وهذه الرواية ليست مجرد حكاية عن امرأة في صورها المتعددة: الطفلة والتلميذة واليتيمة والمغرمة والمهندسة والحالمة بثلاثة أطفال، بل هي فضاء اجتماعي يتضمن قصصًا عن نساء يزهون بملابسهن الملونة فيما يتشحن بملاءات سود غير مرئية، وبأسرار متوارية وثقيلة مثل نور وجنينها.
لا أحد عرف حكاية نور غير نور ووالدتها بشرى ووالدها وجدّها، علاوة على الطبيب أسامة وزوجته نداء. والحكاية أن أربعة شبان أرغموا نور، بحسب روايتها، على تشمم مادة مخدرة فقدت وعيها في الأثر، ثم اغتصبوها وتركوها. وحملت نور التي أولدها، في ما بعد، الدكتور أسامة، ثم بدأ السعي لاتقاء الفضيحة وتأمين عائلة للوليد الرضيع. وأرادت نداء أن تنهي ماراثون الإخصاب بالاحتفاظ برضيع نور الذي سُمّيَ آدم. وأراد زوجها أسامة أن يحتفظ بالرضيع بناء على رغبة عائلة نور أيضًا تداركًا للفضيحة. لكن أسامة كان يتساءل في كل لحظة: إلى مَ يبقى السر مكتومًا؟ وماذا لو عرف الطفل قصته الحقيقية يومًا ما؟ وآدم، هذا الوافد الجديد على الدنيا، عَبَر صفحات الرواية بسرعة الضوء؛ من مفتتحها ثم فورًا إلى منغلقها. إنها روايته: رواية الشوق إلى طفل الحب الذي جعل المهندسة نداء تكرس حياتها لهدف رئيس هو الحصول على ذلك الطفل. وعندما بات الطفل بين يديها اختارت أن تبعده بيديها عن صدرها. ثم أنهى زوجها أسامة الماراثون بأن حمل الرضيع بحنان وأخذه إلى لا مكان.
بدأت الرواية بـِ "آدم" وانتهت به. فلماذا لم تجعل نجاة عبد الصمد "آدم" عنوانًا لروايتها الجميلة؟ إنه مجرد اقتراح منطقي وشكلي. لكن لا منطق في هذا الوجود، ولا غاية لهذا الوجود. ولعل الوجود عدم، لكن الموجود خُلق من عدم، ولأن عدم العدم وجود، فهل يعني ذلك أن العدم هو وجود أيضًا؟ يا للهول! هذه هي دائرة الوجود: كل نهاية هي بداية جديدة... دوران كفصول السنة إلى ما لا نهاية. والحياة في دورانها الفلكي لا تمنحنا ما نريد إطلاقًا، بل تقهرنا بما لا نشتهي؛ بالموت على سبيل المثال، فتصبح حيواتنا مثل بندول الساعة الذي لا يكف عن النَوَسان، فيما هو لا يتحرك من مكانه مقدار أنملة.