مذ تنبأ كاهن دلفي (أبولو) أن الملك (لايوس) سينجب من زوجته الملكة (جوكاستا) ولدا، وأن هذا الولد سيقتل أباه ويتزوج أمه، لم تفلح كل المحاولات والتحايلات من تفادي هذه النبوءة، فولد (أوديب) وقتل والده (لايوس) وتزوج أمه (جوكاستا) وكان ما كان من فصول التراجيديا الأسطورية كما أرادها (سوفوكليس)، والتي بنى عليها (سيغموند فرويد) نظرية شهيرة في علم النفس.

مذ تنبأ كاهن دلفي (أبولو) أن الملك (لايوس) سينجب من زوجته الملكة (جوكاستا) ولدا، وأن هذا الولد سيقتل أباه ويتزوج أمه، لم تفلح كل المحاولات والتحايلات من تفادي هذه النبوءة، فولد (أوديب) وقتل والده (لايوس) وتزوج أمه (جوكاستا) وكان ما كان من فصول التراجيديا الأسطورية كما أرادها (سوفوكليس)، والتي بنى عليها (سيغموند فرويد) نظرية شهيرة في علم النفس.
هكذا فعل خيط البندول بعد أن جربته (سالي) على صديقاتها فصدقت توقعاته، ولم تستطع (نداء) تكذيبه بالرغم من عشرين محاولة لزرع الحمل، كما لم ينفعها التطور الهائل في علم الطب، وبقي اسمها (نداء) يصدح بالشغف والأمل أن ترزق ولو بواحد من فراخ البط، و(أسامة) يحارب على جبهات باردة فيها من الجمر ما يكفي لإحراق غابات الأمل وبيادر الصبر، ليأتي (آدم) طفلا غير مرغوب به من جريمة اغتصاب، كأنها مكيدة قدرية تؤكد غياب العدالة حين يتمنع علينا ما نرتجيه، ويوهب لنا ما لا نريده.
لم تكن الحكاية حكاية (أسامة ونداء)، بل هي حكايات روت أخبار الشخوص والأماكن والزمن، لوحة بانورامية اعتمدت فيها الكتابة على أسلوبية لعبة (البازل -الأظفار والفراغات) التي يزجي فيها الأولاد وقتهم لتجميع اللوحة الكبرى من لوحات صغيرة، فاللوحة المركزية التي تتوسط المشهد هي لوحة (أسامة ونداء) المكتظة بالأظفار والفراغات، فيما تتحلق حولها لوحات أخرى تتداخل مع بعضها بعلائق وتشابكات تتعشق مع اللوحة الأم فتكتمل المشهدية السردية للوحة البانورامية الحائطة بالعمل الروائي الكامل.
صحيح أن الكاتبة اتكلت على شخصيتي (أسامة ونداء) وحدثهما المركزي (الإنجاب) كمحور أساسي للمعمار الروائي، لكن كان لابد من الالتفات إلى المدى المحيط المتشابك مع حياة هاتين الشخصيتين، وسبر بواطنه، ولكل شخصية حكاية لا تقل إثارة عن الحدث الرئيس للرواية.
ليس عصيا على القارئ أن يعرف مكان الحدث (زعفران) ولا أدري لماذا وارت الكاتبة الاسم الحقيقي (مدينة السويداء) علما أنه مكشوف وواضح حتى للقارئ الغريب عن البيئة، أهي رمزية دلالية تربط بين المدينة ونبتة الزعفران الباهضة القيمة والمنسية، أو لغاية أخرى علما أنها سمت الأماكن والبلاد الأخرى بأسمائها.
هناك في زعفران تدحرجت الأحداث وفعل خيط البندول فعلته، ومع سرد صاعد على لسان شخصية أسامة كراو متكلم مشارك افتتحت الكاتبة درفة مصراع مواربة ليدخل منها القارئ ويخبّ بساقيه الأمداء المترامية لهذا العمل الروائي، ليس فقط عبر مساحة الحدث الزمكانية، بل ورطت القارئ بالتغول في العوالم الداخلية للشخصيات واستكناه بنيتها حيث قامت بتنمية كل شخصية على حدا، ثم ضفرتها مع باقي الشخصيات بواسطة العلائق المكانية والزمانية والاجتماعية والصدفية، تعرفنا على بيئة وحيوات أناس من لحم ودم، عانوا ما عانوه من شظف الحياة وضنك العوز وجرائر الأيام، تعرفنا على نماذج مختلفة تتراوح بين الرفعة والسمو والدونية والخسة، هبطت إلى أغوارهم وبحشت مواضيهم وفصدت خلاياهم وأطلقت عليهم حكمها، حين تركت للقارئ أن يبني رأيه بعد مشوار طويل حثيث السير ماتع المشاهد ولذيذ الطعم مع فصول الرواية، ومع ذلك لم تستطع أن تخفي رؤاها الفكرية وما تريد إيصاله في بعض المفاصل التي أطلقت أحكامها فيها أثناء توليتها للسارد الخارجي دفة الروي.
التشويق والامتاع هما من أهم صفات العمل الروائي الناجح، هكذا (أخبرنا أمبرتو إيكو)، إنهما العصا السحرية التي تقود القارئ بكل رغبة وامتثال إلى الإبحار مع موج السرد الكارج بسلاسة ورشاقة، لكن سنعثر في ثنايا الرواية على معلومات ثمينة عرفتنا عليها الكاتبة عن سر الإنجاب ومعاناة الزوجين عند تعسر هذا الإنجاب، وسنذهب برحلة إلى عالم الإخصاب الأنبوبي وصعوبة الاتكال عليه كطريقة بديلة عن الإخصاب الطبيعي وتاريخ هذا الاكتشاف مع جولة تاريخية في عالم الولادة، فثمة معلومات جميلة سيتزود بها القارئ وإن كان بعضها محشور حشرا وفي غير مكانه، ألم يقل لنا مايسترو الرواية العربية الكاتب المجيد (عبد الرحمن منيف) :(إن الرواية أداة معرفة، ولكنها المعرفة الجميلة إذا صح التعبير، إنها تخاطب العقل والوجدان معا، تتوجه إلى الإنسان بتواضع لكي تعلمه وتحرضه لكي يقول باللمح والإشارة ما لا تستطيعه الأدوات الأخرى)
صحيح أن الفن الروائي فن أدبي متخيل ولا يمكن تقييمه أو معايرته من خلال الواقع أو التاريخ، لكن لا يمكن لنا أن نقطع صلته بهذا الواقع، وسبق (لأرسطو) أن قال: (لا يجوز للمتخيل أن يتخطى حدود الواقع إلا بقدر ما يتيح له الواقع هذا التخطي)، لذلك فإن مخيال الكاتبة كان يمتح من ينابيع الواقع، ومن الواضح والجلي أن معظم الأحداث التي جرت في هذا الفضاء السردي أحداث خبرتها الكاتبة بوصفها طبيبة إما معايشة لها أو تلقفتها حواسها البصرية والسمعية، ولها مطلق الحرية في الحذف أو الزيادة والتوليف والتوظيف بما يخدم معمارها السردي، ففهي هذه الحالة كثيرا ما يبقى الكاتب مأسورا لأبطاله وحكاياتهم وأحداثهم ومضطرا لأن يكون أمينا لواقع منحه هذه الذخيرة من الأحداث ويخشى لويها كي لا تتجاوز الحدود المسموحة من الواقع الحقيقي، ففي الكثير من الأعمال الأدبية لا نستطيع تطبيق نظرية (موت المؤلف) التي بشّر بها الناقد الفرنسي (رولان بارت) لذلك سنبقى مأخوذين بجدلية الربط بين الكاتب وبيئته ومدى انطباق الأحداث على الواقع ومدى ارتباطها بسيرة المؤلف.
بالعودة إلى أسلوبية السرد التي انتهجتها الكاتبة، نلاحظ اتكالها على ثلاثة مستويات للسرد، (السرد الصاعد مع الحدث) (السرد الاسترجاعي الاستذكاري) و(السرد المرسل – حكاية داخل الحكاية)، وقد أجادت في توقيت كل مستوى سردي مثلما أجادت التنقل بينهم، إلا أنها في السرد المرسل (حكاية داخل الحكاية) نجد أن التفاصيل استغرقت تلك الحكايات، وبالرغم من أن تلك الحكايات أكملت المشهد البانورامي للرواية ككل من حيث تضفير كل لوحة مشهدية لحكاية مع فراغ على مقاسها في اللوحة المركزية، فعرفتنا على حكايات (مجيد وأم نداء وجدها، وحكاية يوسف وشهلا وأولادهما، وفوزي وزريفة وفريد وفريدة، وحكاية الخالة جدعة وأختها عذية ومعهم زهران وأدهم، وحكاية وردة ووو) وهنا يقف سؤال نقدي خاص بالنقد الروائي: إلى أي مدى يستطيع الكاتب الشطح في السرد المرسل، وهل يجوز أن تتفوق السردية المرسلة على السردية الرئيسية من حيث استئثارها بالحدث واجتياحها لصفحات الرواية، ... إن الجواب على هذا السؤال يُختصر بالقول: مادام السرد المرسل ضروريا وغيابه ينتقص من مشهدية الحدث والبناء الروائي فلا حدود له، لكن يصبح عبئا على الرواية حين يتحول إلى حشو وتكملة لصفحات البياض، ونعرف ذلك في حال حذفنا الحكاية المرسلة، هل أثّر ذلك على مشهدية الحدث أم لا؟، وهنا أرى أن الكاتبة قد وفقت في سردها المرسل وأجادت شبكه مع الأحداث وقدمته في موعده الكتابي، إلا أنه بعضه مال إلى الإطناب والاسترسال فأدخل بعض الملل إلى نهم القارئ في غير مفصل.   
شخصيات هذه الرواية تراوحت بين البسيطة والوسطية، وقلما نعثر على شخصية معقدة بالمجمل، فقد يأتي التعقيد في بعض الحالات ولم يكن مصاحبا لها على الدوام، وبتوصيف الشخصية المعقدة بأنها الشخصية التي يصعب التنبؤ بتحولاتها وأفكارها وردود أفعالها وسبر أغوارها واستئثارها بالفعل وسيطرتها على الحدث وقدرتها على التغيير والتحول، إنها الشخصية التي تربك الكاتب وتجعله ينصاع لها، ومع ذلك تفوقت الكاتبة في صناعة هذه الشخصيات من خلال الوصف وتصوير أفعالها وسرد سِيَرَها، وتماهت مع كل شخصية حين أفردت لها حيزا في الرواية، فقد نمّتْ الكثير من هذا الشخصيات من نقطة البداية حتى ذروة الحكاية، ولعل صناعة الشخصية الروائية هي من أصعب البنى التي تواجه الكاتب، إما أن يسيطر على الشخصية ويأخذها إلى حيث يريد، أو أن تفلت منه وتقوده إلى مدارات لم تكن بحسبانه، وغالبا ما تتفتق التطورات على الشخصية أثناء مرحلة البناء السردي، وهنا نجد أن الكاتبة سيطرت تماما على شخصيتي أسامة ونداء وعلى ضفافهما مجيد ويوسف وإلى حد ما فريد وفريدة ومريومة وطارق، فجعلت منهم شخصيات نموذجية تتمتع كل واحدة منهن بصفات مقدسة معصومة عن الخطأ، لبوا رغبتها في المحافظة على سويتهم، كأننا بالكاتبة تطبق نظرية الناقد (جيمس هاملتون) في صناعة الشخصية المحبوبة، لكن المأخذ على طريقة تعريفنا بهذه الشخصيات هنا جاء بطريقة الوصف وسرد الراوي ولم يكن عن طريق الحوارات الخارجية، فالرواية افتقرت إلى الحوارات إلا لماما واستبدلتها الكاتبة بالمنولوجات والنجوى الداخلية للشخصيات، ومن المعروف أن الحوارات الخارجية (الديالوجات) تستطيع أن تعرفنا على شخصيات قائليها دون تكلف، فتكشف لنا عن ثقافاتهم ومستواهم ورؤاهم وبيئتهم، من خلال لهجة الحوار (الملفوظ) والمقولات التي ينطقون بها، ونبرة المنطوق الكلامي، واللغة الحوارية... إلى ما هنالك من ميزات وأدوار للحوار، و لا شك أن الكاتبة تعرفها جيدا. 
عتبات البناء السردي مهمة جدا في أية قراءة نقدية، بدءا من عتبة العنوان ولوحة الغلاف مرورا بالفصول وعناوينها وطريقة تدرجها، وانتهاء بالخاتمة، ففي هذه الرواية يتلبسنا الالتباس منذ العتبة الأولى (العنوان)(خيط البندول) حيث سنبقى ضائعين ومتحفزين لمعرفة مقاصد الكاتبة بهذا العنوان حتى نصل إلى يوم استخدام خيط البندول في البستان وتجربة سالي التي حكمت من خلالها مصائر الإنجاب لدى الفتيات الأربع، وبقدر ما كان العنوان ملفتا وغير كاشف لمحتوى العمل الروائي، بقدر ما فتح المصاريع على المكشوف بعد ذكره، وحبذا لو استأخرت الكاتبة إيراده إلى الصفحات الأخيرة ولا ينقصها حيلة الكتابة في فعل ذلك، وقد وفقت أيما توفيق في اختيار هذا العنوان، ولعل لوحة الغلاف أوحت بما يكمل ما فعله السرد حين اختارت السرير الفارغ، فقد تم الربط بين مضمون الرواية واللوحة مذ بدأت رحلة نداء مع الانجاب، ويبدو المكر السردي في العتبة الثالثة للرواية المعنونة بـ (توطئة)، هذه التوطئة التي يفترض أنها البداية لم تكن إلا خاتمة العمل، حيث جرى تقديمها بشكل ذكي وخفي لا يدركه القارئ إلا بعد الانتهاء من القراءة، لتأتي بعدها العتبة الرابعة بعنوان (الجزء الأول 1993) وفيها أيضا إيهام، هل هو زمن البدء بكتابة الرواية، أو زمن بدء الأحداث، وفي الحقيقة لا هذه ولا تلك، بل هي علامة دالة على زمن تاريخي وفيزيائي لمرحلة من مراحل أحداث الرواية، ثم تتوالى العتبات الأخرى كأرقام، وما الانتقال من رقم إلى رقم إلا كمتوالية للأحداث، فلاهي فصول بالمعنى الفني للفصل، ولا تدرج زمني، إلى أن نصل لعتبة (الجزء الثاني 2007) وهذه العتبة يندرج عليها ما قلناه عن عتبة الجزء الأول لكنها تحمل دلالة تغير نوعي على سيرورة الأحداث ومصائر الشخصيات، في هذا الجزء تنتقل الكاتبة إلى تسمية العتبات بأسماء الشخوص مع إضافة بعد زمني للأحداث بربط اسم الشخصية بيوم ما، فبعد الافتتاح بعتبة (وردة) ننتقل إلى أسامة ويومياته ونداء ويومياتها، وهذه طريقة جميلة وخارجة عن السياق الكلاسيكي في السرد الروائي، تشبه إلى حد ما أسلوبية تعدد الأصوات لمنح الشخصيات التكافؤ بالسرد، لكن هذا السرد لا يأتي على لسان الشخصية، باستثناء أسامة، بل بلسان الراوي الخارجي، فتبقى الشخصية أسيرة لرؤية هذا الراوي، وتعود الكاتبة في عتبة (الجزء الثالث 2010) إلى ترقيم عتبات هذا الجزء وفيها تكثيف لأحداث النهاية التي استبقتها في (توطئة) البداية، وأخيرا تختم الكاتبة بعتبة (شكر خاص) وهذه العتبة لا أراها منفصلة عن ماهية العمل ككل بل جاءت لتؤكد أن الكاتبة هي واحدة من أهم شخصيات هذا العمل. 
أقف قليلا عند لغة الرواية من حيث شعرية الكتابة التي اتسمت بالتمكن والاقتدار عبر أسلوبية سردية محكمة وتدرج حدثي شيق وماتع، ولغة أدبية مائزة شيعت في النص مباهج جمالية رائعة، لم تجنح فيها إلى التقريرية أو الخطابية أو الحكائية، ولم تتورط بالتقعر والهجر، آزرتها أجواء شاعرية حملها لنا الوصف والتصوير سواء عبر منولوجات الشخوص أو من خلال مهمة السارد، وأسلوبية الرواية لم تخرج عن الأنماط المعروفة في أساليب السرد، وكنا نتمنى عليها بعد عملين روائيين ناجحين لها أن تسلك الأسلوبية الحديثة سواء من حيث توظيفها للحيل الروائية، أو من حيث اللغة الروائية الحديثة في الرواية العالمية، كالتقليل من الضمائر والتكثيف والبتر والسرد المتقطع وترك مساحة للقارئ الذكي ليستشف بقية الحدث ويقرأ ما وراءه، فلا يقدم الكاتب للقارئ كل المعلومات كوجبة جاهزة، فقد ولى زمن استرخاء القراءة كأنها مشاهد درامية مرئية، وهذا التمني جاء من باب الإيمان بالكاتبة وقدرتها على أن تكون من رواد هذا الفتح الأدبي، علما أن هذا التمني لا ينتقص من قيمة هذا العمل وسموه الفني والفكروي.
وأبقى مع اللغة لأقول على جانب آخر أن هذه الرواية لو وصلت ليد قارئ حصيف مجهولة اسم المؤلف لعرف أن الكاتب امرأة، فاللغة النسوية جليه وواضحة من حيث رقتها وشاعريتها في بعض مفاصل الوصف والتصوير، ورخامتها عندما التعامل مع الحدث المأساوي، وعدم فجاجتها، وهدوء أسلوبية السرد، وخلوها من التعابير والمفردات الوقحة أو الخادشة للحياء، ومواربتها في اقترابها من الخطوط الحمراء، رغم الجرأة الواضحة في طرق بعض المواضيع الجنسية والاجتماعية إلا أنها جاءت بلغة ناعمة، وهذه مجرد ملاحظة وليست مثلبا للعمل.
في العتبة الأخيرة (شكر خاص) سيدرك القارئ بما لا يدع مجالا للشك أن الكاتبة سربت جزءا من سيرتها في هذا العمل الروائي المهم وإن جاء السرد المتكلم المشارك على لسان أسامة، فاللغة النسوية مسيطرة على الرواية، والمعلومات الطبية والأحداث الموثقة للمرضى تجاوزت الممارسة إلى أن يكون الكاتب جزءا من الحدث، كل ذلك تم بذكاء وثقة وإصرار، فما أجمل أن يستطيع الكاتب أن يكتب نفسه في عمله الأدبي بثقة واقتدار وأن يجعل ذلك جزءا من لوحة بانورامية لعمل روائي متكامل. 
عن الرؤى الفكرية: أي عمل روائي لا يترك لدى القارئ أسئلة معرفية وتأثير يضاف إلى مخزونه الفكري هو مجرد رغاء، وإذا كانت الحوامل الفنية هي من أهم الروافع التي تجعل من الحكاية عملا أدبيا رفيعا، فإن الرؤى الفكرية هي المكافأة المرجوة للقارئ، لأنها رسالة هذا العمل، في خيط بندول الكاتبة نجاة عبد الصمد حصاد معرفي وفير الغلال، هذه الرواية الغارقة في التفاصيل، حتى تكاد أن تكون هذه التفاصيل هي بطل العمل، لجّت إلى أغوار الشخصيات ونخرت الجدران المتهالكة للبيئة الاجتماعية، ومضت بنا إلى عالم الطب وتحديدا طب النساء والولادة، وفككت لنا العقد الزّامة للقناعات الاجتماعية بشقيها العرفي والديني، وعرفتنا على رحلة الزواج والانجاب لزوجيين متعلمين علميين ومع ذلك انتصرت تنبؤات خيط البندول، لكن الملفت أن المأساوية سيطرت على أجواء هذا العمل ولم نلمح الفرح إلا لحظيا وعابرا بينما يستأسد الحزن وكل عائلة الشقاء والمرارة على جميع أحداث هذه الرواية بلا استثناء، فما من شخصية إلا ومرت عليها ظروف عصيبة وكلما (التام جرح جد في التذكار جرح) وكأن هذه الشخوص تنحت في الهواء وتعارك المستحيل لتستمر في الحياة، حتى اعتادت على استمراء الوجع والشقاء بصفته ملازم لا يحول ولا يزول، كأنها تشبه الأجواء الكربلائية، فهل أرادت الكاتبة أن تقول أنه كتب علينا أن نعيش في طراد محموم مع صروف هذه الحياة ولن نصل مرادنا، وسنبقى أسرى لوباء الجهل والمعاناة والتخلف، وهل استسلمت الكاتبة لخيط البندول وتنبؤاته وكأن هذا الخيط لم يحكم مصير نداء وفريدة فحسب، بل هو المتحكم بمصائر وحيوات أناس يعيشون يجاهدون للعيش وبلوغ المراد دون جدوى. وهل استكانت الكاتبة لاستسلام نداء وأسامة، كنا نرتجي منها أن تترك مساحات للفرح أكثر وللفرج والخروج من شرنقة الأسر إلى عوالم أرحب، ويبدو أنها تركت لنا مصير (آدم) المجهول النسب هو الوميض الذي قد يشعل شرارة التفاؤل.
ملاحظة أخيرة قد لا تخص الكاتبة تحديدا لكنها جزء منها، من خلال قراءاتي المتواضعة للأعمال الروائية لأدباء محافظة السويداء لاحظت أن الأحداث والبيئة والحيز الجغرافي لا يتخطى حدود هذه المحافظة، فمنها البداية والنهاية، وما التعريج لخارجها إلا لضرورة سردية سرعان ما يعود الحدث إليها، هذا الانغلاق للعوالم الروائية للكتاب – خاصة وأن لهم باع وشهرة – يصعب تفسيره، أهو حالة إثبات وجود لمنطقة جغرافية يعيش بها أناس ينتمون لمذهب من الأقليات ـ بقصد نقل هذه البيئة والتعريف بها، أو التدثر بعباءة الأمجاد والبطولات الوطنية للتطهر من ذنوب لم يقترفوها، أو قلة الاطلاع والخشية من اقتحام عوالم مجهولة لهم.
بقي الأديب الروائي حنا مينا يعيش تجربة بيئة البحر ويكتب عنها ولم يخرج منها فصار يكرر نفسه، إلى أن كتب (الربيع والخريف) فكانت فاتحة لانتقالات نوعية أخرى وخاصة روايته (عاهرة ونصف مجنون) وأعتقد أن الكاتبة بما لها من تجربة واطلاع وسفر واحتكاكات مع شعوب وجغرافيات متنوعة فإننا ننتظر منها عملا مغايرا بعد ثلاثة أعمال انطلقت من نفس البيئة.
ألم يقل شاعر الحرية بابلو نيرودا.
يموت ببطء
من لا يسافر،
من لا يقرأ،
من لا يسمع الموسيقا،
من لا يستطيع أن يتأمّل
بعينيه.

يموت ببطء
ذاك الذي يهدم عزّة نفسه،
هذا الذي لا يقبل المساعدة.

يموت ببطء
هذا الذي يصبح عبداً للعادة،
يكرر كل يوم المسالك نفسها،
هذا الذي لا يغيّر مرجعه،
ولا يخاطر أبداً بتغيير
لون ثيابه
أو الذي لا يتحدث أبداً مع غريب.