منذ صرخت: "أسعد…" في مسلسل أسعد الورّاق في سبعينات القرن الماضي، سالتْ صرختُها حبّاً وتأثراً وإقناعاً في كل بيتٍ سوريٍّ كان فيه تلفزيونٌ يجمع أمامه نصف أهل الحيّ.
اسمها أعلى من الألقاب ومن كلّ دورٍ جسّدته. امرأةٌ عاليةٌ بالفطرة ثم بتدريب الذات طوال حياتها. لغة جسدها، لمعة عينيها، جهور صوتها وضوح وصحة وثقة مخارج الحروف في كلامها، تلقائية النفس العزيزة فيها كيفما تحرّكت، جعلتها المرأة التي (بيلبقلها شك الألماس)..
تعدّت أعمالها المائتين ما بين مسرح وتلفزيون وسينما، ولا تزال تُقدّم نفسها على طريقة البروليتاريا: "أنا امرأةٌ عاملةٌ في مجال التمثيل!" لا تقول عن نفسها نجمةً، ولا تفخر بما يحق لها أن تفخر. سلوكُها دمغ أثرها العميق فيمن يشاهدها في التمثيل وفي الحياة، حتى ارتقت إلى مصاف أيقونةٍ توحي بالإشارات كيف يصنع الأنسان عموماً، والمرأة خصوصاً، طريقه/ا الخاص، ويتعلم الفرادة على التوازي مع الإنسانية المشتركة بيننا نحن البشر، بعيداً عن ضيق الإيديولوجيات.
في تحضيره لفيلم "الرسالة" بحث مصطفى العقاد عمّن تجسّد دور هند بنت عتبة، فنصحه عبد الله غيث: "رح إلى الشام تجد فيها ضالّتك؛ منى واصف!" وكان العقّاد قد غادر وطنه سوريا عام 1956 قبل أن تبدأ منى واصف الخطو في درب التمثيل.
وقدم العقاد فعلاً إلى دمشق، وقدّموها إلى هذا المخرج السينمائيّ الأمريكيّ القادم من هوليود. ظنّت الأمر مزحة. وزاد عليها أنّ أول أسئلته إليها كان: "لماذا أنتِ شقراء؟ قد وصفوك لي بشعر أسود طويل"، "صبغتُ شعري لكي يُشغّلوني في السينما!"، أجابته سريعاً على غير جديّتها وأدبها المعهودين، فهي لم ترتحْ لطريقته في السؤال، كما وقرأتْ في بسمته شيئاً من الاستهزاء لن يمرّ من دون أن ترد عليه. طلب رؤية مشاهد لها في التمثيل ومشاهد صامتة. قال لها بعدها، وعلى وجهه نظرة احترام: "أريد صورةً لكِ لأضعها ليس فقط في ألبوم الفيلم، بل وأيضاً هنا!"، وأشار إلى صدره. جاؤوا لها بباروكة شعرٍ سوداء، وكحلت عينيها، وصوّروها.
مضى وقت. ثم كانت في الطائرة مسافرةً إلى عمل. أمام مقعدها رأت مجلة "الحوادث" اللبنانية، فيها لقاء مع العقاد يصرّح فيه: "تتنافس منى واصف ونضال الأشقر وماجدة الخطيب على دور هند بنت عتبة في فيلم الرسالة". وإن توقّعت أنّ فرصتها وسط هذه المنافسة ضعيفة؛ إلا أنها تحتفظ بالمجلة إلى اليوم لتُذكّرها بأن الإيمان النفس أهم من موضوعة المنافسة.
كذلك مضى وقتٌ قبل أن يرنّ هاتفها في البيت: "مسز واصف جيلميران، أهذه أنت"؟ وكنيتها جيلميران التي تعني: أربعون أميراً، لا توجد إلا في جواز سفرها، فأيقنت أنّ الاتصال رسميّ. كان العقّاد هو المتصل، يبلغها بموعد توقيع العقد في بيروت. بالباروكة السوداء سافرت إلى بيروت، وحرصت على الدخول إلى موعدها قبل وقته بدقيقة. رأت على الجدار صورتها بعينيها السوداوين المتقدتين في منتصف الجدارية التي تحمل أسماء ممثلي فيلم الرسالة بنسختيه العربية والإنكليزية. ولم يكن العقاد في انتظارها بل تاكفور أنطونيان، المخرج المنفّذ. سألها إن كانت تخاف من الخَيل وأجابت: "لا!"، ولم تكن واجهت حصاناً من قبل، لكنها تعرف في دخيلتها أنها لا تخاف من أيّ مجهول، ومستعدة أن تذهب حتى إلى الموت إن تطلّب الأمر ذلك.
أيامها كانت مرّتْ 14 سنة على بداياتها في التمثيل، وأصبحت ممثلة محبوبة ومحترمة، إلا أن شهرتها لا تزال محليةً ومحدودة. سألها أنطونيان: "كم تريدين أجراً لكِ على دور هند؟" ولم تكن تبغي سوى توقيع العقد واستلامه ممهوراً بختم الأزهر، وليس في نيّتها المطالبة بأي أجر، بل على العكس، توقّعتْ أن يطلبوا منها المال لقاء انتقائها.
رأت على الشيك رقماً، ثم رأت الرقم يتغيّر، إلى ارتفاعٍ لا إلى هبوط، بعد اتصال العقاد بالمنتج وسؤاله إياه: "هل عذبتك منى واصف بخصوص أجرها؟" فأجابه: "لا. سألت فقط عمّن ستؤدّي الدور مقابلها".
"ايرين باباس"، الممثلة والمغنية اليونانية العالمية، المثقفة والمناضلة السياسية، صاحبة الموقف والمشروع الإنساني ومؤسِّسة مدرسة تمثيل، سوف تقف منى واصف أمامها وأمام انطوني كوين، وصورتُها معهما في جدارية أسماء الممثلين، بينما لم يظهر اسمها من قبل على أي أفيش لأعمالها ما بين المسرح العسكري ووزارة الثقافة اللذين لا يكتبان على الأفيش سوى اسم المؤسسة واسم الكاتب والمخرج. ثم إنّ زوجها محمد شاهين مخرجٌ ومديرٌ عام للتلفزيون ثم مخرجٌ سينمائيٌّ في مؤسسة السينما، ولم يعطها مرّةً دور البطولة.
قبل بدء التمثيل قال لها العقاد: سوف نزيل هذه الشامة الكبيرة عن وجهك. قالت: لا، وأصرّت وعاندتْ. وأثناء التصوير اقتنع العقّاد أنّ هذه الشامة ما كان يجب أن تُزال، بل إنها تخدم الدور، تضيف مظهر القسوة الفائضة إلى شخص هند بنت عتبة.
عادت منى واصف إلى دمشق بعد انتهاء التصوير وبدأت بالتحضير لعملٍ جديد. أخفت مشاركتها في فيلم الرسالة بدلا من أن تفاخر بها، لا خوفاً من الحسد كما قد يظنّون، فسوف يعرض الفيلم قريباً ويحكي عن نفسه وعنها. اكتفت بأنّ إيرين بارباس قالت لها حين وقفت أمامها: أنت نجمة!
وحدها الكبيرة تقول لممثلةٍ لم توغل عميقاً بعدُ في الطريق: "أنتِ نجمة" حين ترى هذا اللقب مستحقّا!
منى واصف 2
وهي في الثمانين، لا تزال مكتفيةً بذاتها وأكيدةً أن غداً أجمل، لا تلتفت إلى الماضي ولا تفتقده ولا تندم سوى على أمرٍ وحيد، أنّها أغضبت أمها. طلبت أمها منها أن تكمل دراستها، وكانت منى مستعجلةً إلى عالم التمثيل فلم تطعها، وتتمنى حتى اليوم لو تسامحها أمها، وتفخر بها لأنها اختارت ما أرادت.
كل ما فعلته في طفولتها وشبابها لا تزال تحياه وهي في الثمانين. تستيقظ في السادسة والنصف صباحا إلى رفقة كتابها وقهوتها، ثم إلى ترتيب بيتها وتحضير أكلها النباتي بنفسها وشرب الشاي بالليمون بعد الغداء، وللسباحة أيضاً وقتها. السباحة عندها رياضة الجسد، ورياضة العقل في السباحة مع تيار حبّ الحياة، وضد تيار الاستكانة. ولا تزال أحلام اليقظة رفيقتَها ولا تشتاق إلا للدور الجيد.. تحلم بدور أنديرا غاندي، ولا تتعالى عن الخضوع لاختبارٍ قبل كل دورٍ جديد، فالاختبار ليس انتقاصاً ولا تشكيكاً بقدرات الفنان، بل هو أولى خطوات العمل. ولا تخشى الموت إنما تخشى المرض. ولا تخلو حياتها من بعض حزن، الحزن النبيل، ومن الوحدة، الوحدة النبيلة أيضاً.
في طفولتها، كانت تختبئ تحت السرير تتخيل نفسها عصفوراً أو فراشةً تطير، وتؤمن، وهي نفسها لا تدري من أين يأتيها الإيمان، أنها مخلوقةٌ لشأنٍ عظيم. نمت على حب الكتاب. كلما رآها زوج أمها شاردة أعطاها كتاباً لتقرأه. وبعد أن رأتْ أمُّها بدايات طولها الفارع، ضربتها على ظهرها كي لا ينحني وهي تمشي. وأخذتها أمها إلى رياضة السباحة. وزارت السينما مبكراً، حضّرت نفسها إليها بارتداء أجمل ثيابها، على رغم أنها ستجلس في العتمة. تعلّقتْ برائحةٍ خاصةٍ تنبعث من صالتها، فحلمت بأن تصبح نجمة سينما.
كبرتْ مشروع صبيّةٌ مستقلّةٍ مسؤولةٍ عن نفسها، أعطت راتبها لأمها لأنها اشتغلت مبكراً حبّاً بالعمل لا من أجل المال. وتشّكلت على توليفةٍ من حب عبد الحليم حافظ وفيروز وجمال عبد الناصر وجميلة بوحيرد وأحمد بن بلّة والقدود الحلبية. تبدو هذه التوليفة للوهلة الأولى متناقضة، قبل أن تكشف اختبارات الحياة أنّ هذا المزيج العجيب، وحين تُضبَط مقاديره، سوف يصنع حياةً غنيّةً ومتوازنة.
وصقل المسرح العسكري انضباطها. صاغ المسرح لغتها وطوّع لسانها، ومنحها الثقة بأن تحب نفسها ولا تتمنى يوماً أن تكون سوى ما هي عليه. والمسرح أسبغ عليها نبالته، لم تنجرف إلى أدوار الدلع وهي الصغيرة والجميلة والطويلة والنحيلة؛ أطلقها إلى أدوار المرأة القوية، القوة الحنونة، فلعبت دور الأم باكراً، واكتسبت منها حصانةً ضد الخوف من الزمن والتجاعيد والشيخوخة، فمن الحمق إخفاء سنوات العمر لامرأةٍ تملك تاريخاً طويلاً وناصعاً يمتدّ في الحياة كما على الشاشة.
أرضت أمومتها بطفل واحد، وأوفته حقه في الرضاعة بترك التمثيل خلال سنة حياته الأولى. أنجبته بقرار وتوقفت عن الإنجاب بعده بقرار، لتنذر باقي حياتها للتمثيل، لعشق فنّها وحده.
بالحب والشغف الموصول بالعمل أصبحتْ نجمة. لم تعتذر عن دور كبير أو صغير، وضبطت وصولها إلى مكان التصوير قبل موعدها لا بعده كما يوهم أنصاف النجوم أنفسهم أنّ وصولهم متأخرين عن الموعد يصنع هيبتهم. ولم تطلب من مخرجٍ ولا من منتجٍ ولا من كاتب سيناريو دوراً من أجلها شخصياً، ظلّت المحاربة التي لا تقبل أن يتبناها أحد، وحفظتْ لنفسها حرية الرفض والاختيار، ومثلت أدوار الملوك والأشراف والمهمشين، واكتسبتْ طاقةً متجددةً من كل دورٍ جديد جسّدته، وآمنتْ أنّ كلّ مُخرجٍ جديد سوف يُخرج منها شيئا جديدا نظرة حركة.. وبثقافتها وذكائها وتجاربها من نجاحٍ وفشل، حافظت على اسمها الشخصي أعلى من جميع أدوارها.
لم يغوها الحضور الإعلاميّ، ولم تلتفت إلى الشائعات عنها، ولم تخش من منافسة الجيل الأحدث: "هذا الخوفُ وهمٌ يقتلنا"، بل أخذت بيد الفنانين المبتدئين كأنّ واحدهم ابنها الوحيد أو ابنتها التي لم تنجبها، وظلّت تنظر إلى الورود في مواسمها، الريحان والخبيزة والياسمين، لتكتشف مع كل موسمٍ كم الدنيا حلوة، وتغنّي لابنها الوحيد كلما غصّت بشوقها إليه: "كنت بشتاقلك وانا وانت هنا، بيني وبينك خطوتين.." وكلها إيمانٌ أنه يسمعها هناك في أمريكا بينما هي مقيمةٌ أبداً في دمشق. ذات الأغنية التي رددتها له أيام كان طفلاً وكانت غارقةً في عملها ولا يلهيها العمل عن شوقها إليه. وترجو لو استبدل المهاجرون من البلد وجهتهم؛ لو تهاجر قلوبنا إلى بعضها، "هجرة القلوب إلى القلوب"، بديلاً عن وجهة الخارج.
أخيراً، وقبل أربعة عقود، حين كنتُ في المرحلة الإعدادية، شغفتني هذه المرأة المتفرّدة. يومها قرأت إعلاناً في مجلة "هنا دمشق"، تصويتاً لاختيار الممثلة السورية الأكثر شعبية أو نجومية، يسبقه تنبيهٌ بالخط الغامق: منى واصف مستثناةٌ من هذا التصويت. اسمها أعلى من أية منافسةٍ حتى مع ممثلات الصف الأول!
وحتى اليوم، حلّت نجومٌ ورحلتْ نجوم، ومرّتْ على سوريا جراحٌ ثخينةٌ وعميقة، قطّعت أوصالها مدناً وبشراً وجماعات، ولا تزال منى واصف تسير أبداً إلى أمام، وتحفظ نفسها رمزاً لا تختلف على حبّه واحترامه آلافُ الجماعات المتناحرة. ولو حلمنا بعقد مواطنةٍ لا بد أن يولد في يومٍ ما، يحوف أبناء سورية كلهم بالحب والاحترام والإنصاف بالقانون، لبقيت منى واصف هي الشخصية السورية الجامعة لهم في قلب هذا العقد.